ليل طويل ونهار قصير في قصر الإليزيه
في مشهد لا يخلو من الطرافة، عاش الجزء الغربي من أوروبا ليلة سياسية مضحكة على الطريقة الفرنسية. فبعد أسابيع طويلة من البحث والتفكير والمشاورات المكثفة، أشرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء أمس، في وقتٍ متأخر من اليوم تحديدًا عند المغرب، على تشكيل الحكومة الجديدة وتوزيع الحقائب الوزارية بعد دراسة مطوّلة لكل اسم ووزارة، وكأن البلاد كانت على موعد مع انطلاقة سياسية جديدة تنهي حالة الترقب والانتظار التي عاشتها منذ بداية العام.
كل شيء بدا مرتبًا: الكاميرات جاهزة، التصريحات مدروسة، الرئيس مبتسم بثقة، ورئيس الوزراء الجديد يقف إلى جواره في صورة رسمية تبعث برسالة استقرار وطمأنينة للفرنسيين. لكن الصباح، كعادته، كان يحمل مفاجأة لم يتوقعها أحد!
فمع أول خيوط الفجر، وبينما باريس ما زالت تغفو على أنغام مقاهيها الهادئة، قام رئيس الوزراء الجديد – الذي لم يجف بعد حبر قرار تعيينه – بتقديم استقالته لماكرون! استقالة سريعة لدرجة أن البعض ظنّ أنها إشاعة أو خبر ساخر، قبل أن تؤكدها المصادر الرسمية.
وهكذا، بعد ليلةٍ طويلة في قصر الإليزيه، استمرت فيها المشاورات، والمداولات، والاتصالات حتى ساعة متأخرة، انتهى كل شيء فجأة مع أول إشراقة للشمس. بدا الموقف وكأن فرنسا قضت ليلة درامية، لتكتشف في الصباح أن العرض انتهى قبل أن يبدأ.
تساءل الفرنسيون بسخرية على مواقع التواصل: “كل هذا السهر يا سيادة الرئيس… لماذا إذًا؟”
فماكرون الذي ظل يبحث لأيام عن رئيس وزراء قادر على قيادة الحكومة الجديدة، وجد نفسه مجددًا أمام فراغ سياسي وضرورة البدء من الصفر.
وخلال عامٍ واحد فقط، تعاقب على رئاسة الحكومة ثلاثة رؤساء وزراء، وكأن المنصب أصبح “كرسيًا موسيقيًا” سياسيًا، لا أحد يجلس عليه طويلاً. أما المواطن الفرنسي العادي، فلم يعد يلحظ تغييرًا حقيقيًا سوى حين يفتح قناة فرنسية ليجد مذيع الأخبار يقول: “فرنسا تستقبل رئيس وزراء جديدًا”.
هذا التبدل السريع جعل البعض يعلّق ساخرًا: “يبدو أن الإليزيه أصبح مركز تدريب لرؤساء الوزراء المؤقتين!” بينما شبّه آخرون المشهد بمسلسل سياسي طويل الحلقات، لا يعرف أحد متى سيصل إلى نهايته، ولا من سيبقى في الحلقة القادمة.
في النهاية، أثبتت فرنسا – بلد الأناقة والفكر والفن – أن لديها أيضًا حسًا كوميديًا سياسيًا راقيًا… دون أن تقصد ذلك. فأن تُشكّل حكومة في المساء وتُقدَّم استقالتها في الصباح، فذلك ليس حدثًا سياسيًا فحسب، بل لوحة فنية من العبث الفرنسي الخالص.
تعليقات
إرسال تعليق